|
بسم الله الرحمن
الرحيم
(يَا أَيُّهَا
النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم
مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى
وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا
وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ
اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ
عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [1].
تبين هذه الآية
القرآنية الكريمة أمورًا
أساسية ومبدئية عديدة، منها أن
الله خلق الناس مختلفين، ويؤكد
على هذا الاختلاف قوله تعالى (وَمِنْ
آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ
وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفُ
أَلْسِنَتِكُمْ
وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي
ذَلِكَ لآَيَاتٍ
لِّلْعَالَمِينَ)[2]
يتمثل الوجه الآخر
للحكمة الإلهية في خلق الناس
مختلفين في دعوتهم إلى التعارف،
والحوار هو الطريق إلى التعارف.
من أجل ذلك دعا الإسلام إلى
الحوار بالتي هي أحسن، وأرسى
للحوار قواعد وأسسًا هي جزء من
الإيمان؛ فالإسلام يعتبر أن
الناس المختلفين إثنيًا
واجتماعيًا وثقافيًا ولغويًا
يشكلون في الأساس "أمة واحدة"
كما جاء في القرآن الكريم: (وَمَا
كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً
وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا)[3]؛ أي
أن اختلافاتهم على تعددها لا
تلغي الوحدة الإنسانية.
تقوم هذه الوحدة على
الاختلاف وليس على التمثل أو
التطابق؛ ذلك أن الاختلاف آية
من آيات عظمة الله، ومظهر من
مظاهر روعة إبداعه في الخلق.
إن القاعدة الإسلامية
كما حددها الرسول محمد عليه
السلام هي أنه (لا فضل لعربي على
أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا
بالتقوى)، وبالتالي فإن
الاختلاف العرقي لا يشكل قاعدة
لأفضلية ولا دونية؛ فهو اختلاف
في إطار الأمة الإنسانية
الواحدة، يحتم احترام الآخر كما
هو وعلى الصورة التي خلقه الله
عليها.
إذا كان احترام الآخر
كما هو لونًا ولسانًا -أي إثنيا
وثقافيًا- يشكل عمودًا من أعمدة
الإيمان الإسلامي وقاعدة من
قواعد السلوك والتصرف في
الإسلام؛ فإن احترامه كما هو
عقيدة وإيمانًا هو احترام لمبدأ
حرية الاختيار التي منحها الله
لكل إنسان، والتزام بقاعدة عدم
الإكراه في الدين.
فالقرآن الكريم يقول: (لِكُلٍّ
وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا)[4]،
وفي إشارة واضحة إلى تعدد
التوجهات يقول أيضًا: (وَمَا
أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ
وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ
قِبْلَةَ بَعْضٍ)[5].
ذلك أنه مع اختلاف
الألسن والألوان كان من طبيعة
رحمة الله اختلاف الشرائع
والمناهج، وهو ما أكده القرآن
الكريم بقوله: (لِكُلٍّ
جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً
وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ
اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً
وَاحِدَةً وَلَكِن
لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا
آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا
الْخَيْرَاتِ إِلَى اللهِ
مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا
فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا
كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)[6]،
و(ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ
فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا
كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)[7]،
و(لَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ
النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً
وَلاَ يَزَالُونَ
مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن
رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ
خَلَقَهُمْ)[8].
إن الإسلام الذي
يؤمن بالاختلاف ويحترم حرية
الاختيار ويتقبل التنوع الإثني
والديني وضع للحوار قواعده
وآدابه، ولعل من أبرز هذه
القواعد والآداب ما ورد في سورة
"سبأ"، كان الرسول محمد
عليه السلام يحاور مجموعة من
غير المؤمنين شارحًا ومبينًا
ومبلغًا، ولكنهم كان يصرون على
أن الحق إلى جانبهم. فحسم الحوار
معهم على قاعدة النص: (إِنَّا
أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى
أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ)[9]،
لقد وضع الرسول نفسه في مستوى من
يحاور تاركًا الحكم لله، وهو
أسمى تعبير عن احترام حرية
الآخر في الاختيار، وعن احترام
اختياره حتى ولو كان على خطأ،
وذهب إلى أبعد من ذلك عندما قال
القرآن الكريم في الآية التالية
مباشرة: (قُل لاَّ تُسْأَلُونَ
عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلاَ
نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ)؛
فكان آداب الحوار بل من
المبالغة في هذه الآداب
الإسلامية أن وصف الرسول
اختياره للحق وهو على حق بأنه
إجرام (في نظرهم)، ووصف اختيارهم
للباطل وهم على باطل بأنه مجرد
عمل، ثم ترك الحكم لله: (قُلْ
يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا
ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا
بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ
الْعَلِيمُ).
إن احترام حرية
الاختيار هنا ليس احترامًا
لخطأ؛ فتسفيه وجهة نظر الآخر،
ومحاولة إسقاطها ليس الهدف الذي
لا يكون الحوار مجديًا إلا إذا
تحقق، إن من أهداف الحوار تعريف
الآخر على وجهة نظر يجهلها،
ومحاولة إقناعه بالتي هي أحسن
بمبدأ أو بموقف ينكره أو يتنكر
له.
وهو أمر يشكل -في حد
ذاته- أحد أهم عناصر الاحتكاك
الفكري والتكامل الثقافي
والتدافع الحضاري بين الناس،
ومن دون ذلك يركد الذهن، ويفقد
التعطش إلى المعرفة التي هي عود
الثقاب الذي يلهبه، وتتحول
مساحات الفكر إلى بحيرات آسنة،
وفي ذلك يقول القرآن الكريم: (وَلَوْلاَ
دَفْعُ اللهِ النَّاسَ
بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ
لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ
اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى
الْعَالَمِينَ)[10]، إن الاختلاف
بين الناس وما يشكل الاختلاف من
تدافع هو أحد أهم موجبات عدم
فساد الأرض، بل إنه لا يمكن أداء
المهمة التي أناطها الله
بالإنسان وهي عمارة الأرض من
دون هذا الاختلاف وما يشكله من
حوافز للتدافع البنّاء.
هناك فوارق كثيرة بين
العلاقة التي تقوم على فعل
إرادي اختياري بين المختلفين،
وتلك التي تكون نتيجة إكراه
وفرض: العلاقة الأولى هي نتيجة
حوار وثمرة تعارف وتفاهم، وهي
بالتالي فعل إرادي يتحقق
بالمحبة والاحترام والثقة
ويتواصل ويتعزز بها، أما
العلاقة الثانية فهي نتيجة
للتنكر لحق الآخر وتجاهل
تمايزاته وخصائصه للحوار معه
كوسيلة للتعارف والتفاهم معه.
وهي بالتالي حالة
مفروضة، وفي كل العلاقات
الإنسانية فإن كل ما هو مفروض
مرفوض من حيث المبدأ ومن حيث
الأساس؛ ولذلك فإنها علاقة لا
تحقق سوى البغضاء والكراهية
وعدم الثقة.
أرسى مجتمع المدينة
المنورة في عهد النبي محمد -صلى
الله عليه وسلم- قاعدة لإقامة
نسق تعاوني بين فئات الناس من
مسلمين وأهل كتاب في أمة واحدة.
الوثيقة النبوية أقرت
أصحاب العقائد على عقائدهم،
وتكفلت بحمايتهم كما هم.
قام مجتمع المدينة على
قاعدة نشر الدعوة مع احتضان
الاختلاف، وليس مع تجاهله ولا
مع محاولة إلغائه.
حاور النبي نصارى
نجران في بيته في المدينة
المنورة وأحسن وفادتهم، وعندما
حان وقت صلاتهم لم يجد النبي أي
غضاضة في دعوتهم -كما تذكر
روايات ثقة- إلى أداء صلاتهم في
حرم بيته، إن العقيدة في
الإسلام تستقر بالفكر اختيارًا
ولا تلصق باللسان قهرًا
وإجبارًا، والقرآن الكريم يقول:
(لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)[11]،
والـ"لا" هنا نافية وليست
ناهية؛ أي أنها لا تعني "لا
تكرهوا الناس في الدين"،
ولكنها تعني "لا يكتمل الدين
وهو لا يكون أساسًا بالإكراه".
وفي ضوء هذه الدروس
القرآنية الكريمة في الحوار وفي
العلاقة مع الآخر المختلف؛ فإن
الإسلام لا يضيق بتنوع الانتماء
العقدي، ولا يؤمن بالنقاء
العرقي (لا فضل لعربي على أعجمي
إلا بالتقوى).
فإذا كان التنوع من
طبيعة تكوين المجتمع؛ فإن
الحوار هو الطريق الوحيد الذي
يؤدي بالاختيار الحر وبالمحبة
إلى التعارف والتفاهم والوحدة؛
ذلك أن البديل عن الحوار هو
القطيعة والانكفاء على الذات
وإنتاج ثقافة الحذر والشك
والعداء للآخر.
تحترم ثقافة الحوار في
الإسلام الإنسان وحريته في
الاختيار، كما تحترم حقه في
الاختلاف وفي المجادلة،
وبالنتيجة فإن (مَنِ اهْتَدَى
فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ
فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا)[12]
وما ربك بظلام للعبيد[13].
إن تعريف الآخر لا يمكن
أن يتم بمعزل عن الأنا، إن فهم
الآخر ومن ثم التفاهم معه لا
يتحققان من دون أن تتسع الأنا
له، وبالتالي كلما سما الإنسان
بنفسه وترفع عن أنانيته سماحة
وتسامحًا لما أوجد في ذاته
مكانًا أرحب للآخر.
إن الحقيقة ليست في
الأنا، إنها تتكامل مع الآخر
حتى في نسبيتها، وهي لا تكتمل في
إطلاقيتها إلا بالله؛ فالله
وحده هو الحقيقة المطلقة،
والحوار مع الآخر هو اكتشاف
للأنا، وإضاءة ساطعة على
الثغرات وعلى النواقص التي لا
تخلو منها شخصية إنسانية.
الآخر قد يكون فردًا
وقد يكون جماعة.. في الحالة
الأولى قد يكون الفرد الآخر
مسلمًا، وقد يكون كتابيًا وقد
يكون كافرًا، الآخر المسلم هو
للمسلم كالبنيان المرصوص يشد
بعضه بعضا، والآخر الكتابي في
المجتمع الإسلامي هو في ذمة
المسلم، ويقول رسول الله -صلى
الله عليه وسلم-: "من آذى
ذميًا فقد آذاني"[14].
أما الآخر الكافر -أي
غير المؤمن بالله الواحد وبكتبه
ورسله- فالعلاقة معه مبنية على
قاعدة "لكم دينكم ولي دين"،
وفي كل الحالات فإن العلاقة بين
المسلم والآخر يختصرها الحديث
النبوي الشريف الذي يقول فيه
الرسول محمد عليه السلام: "المسلم
من سلم الناس من يده ولسانه"؛
أي كل الناس وليس المسلمون فقط،
ولا المؤمنون فقط.
عندما يرسي الإسلام
القاعدة الشرعية بأن "لا
إكراه في الدين" فإنه بسماحته
يعطي الآخر المجال، ويهيئ له
الأسباب ليعمل عقله وفكره
للإيمان بالحقيقة الإلهية، حتى
إذا توصل إليها كان الإيمان
بالاقتناع وبالاختيار وليس
بالفرض.
ذلك هو الإيمان القوي
المناقض لذلك النوع من الإيمان
الذي يبلغ في تقوقعه درجة من
التوهم بامتلاك الحقيقة
المطلقة إلى حد إلغاء الآخر
فكرًا وعقيدة وحتى كيانًا
شخصيًا، فيسد منافذ الإشراق
الفكري، ويعتم على ذاته حتى
يفقد القدرة على الرؤية؛ فتتقطع
معه أوصال الحب، نابذًا ما لا
يعرف، متعصبا لسوء ما يعرف،
معتبرًا أنه وحده ومن معه
يشكلون الفرقة الناجية؛ فكما
أنه لا إيمان بالإكراه، كذلك لا
كفر بالإكراه.
إن الآخر الفرد قد يكون
صديقًا وقد يكون عدوًا، نحن
نعرف -تقريبًا- كيف نتعامل مع
الآخر الصديق، ولكن كيف نتصرف
مع الآخر الذي يغرينا
بالاستجابة إلى تحريض النفس
الأمارة بالسوء، أو إيقاظ
الشيطان الذي يوسوس في صدورنا؟
يحض الإسلام المؤمن
على السماحة، ويحثه على تقديم
المساعدة حتى إلى من يسيء إليه؛
فقد يكون الآخر الخصم أفضل
الأصدقاء لأنه يتحدانا لنتجاوز
ذاتنا وللارتفاع بإنسانيتنا
إلى درجة أسمى، مع ذلك فإن الجدل
يكاد لا ينتهي بين الرحمة
والعدالة، وبين الحب والواجب؛
ذلك أن الآخر يؤمن في قرارة نفسه
أنه على حق، تمامًا كما قد يؤمن
كل واحد منا.
وفي عالم متعدد
الأديان والمذاهب واللغات
والثقافات والعادات والتقاليد
يصبح الحوار الدائم المنفتح
والمتفتح ركنًا من أركان أمنه
واستقراره، بل ويصبح مصدر قوته
على التدافع الحضاري؛ فالحوار
لا يكون إلا مع الآخر، وإلا يصبح
حوارًا مع الذات، والآخر لا
يكون إلا مختلفا، وإلا تنتفي
الحاجة إليه.
لذلك فإن الركيزة
الأولى للحوار هي القبول
بالتعدد والاختلاف معًا، يشكل
هذا القبول ميزة من ميزات الفقه
الإسلامي، إن القرآن الكريم
يقول: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ
لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً
وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ
مُخْتَلِفِينَ)[15]، إن من العبث
تجاهل الاختلاف، ومن المستحيل
إلغاؤه.
إن من مقومات الحضارة
العربية الإسلامية احترام
الآخر والانفتاح عليه والتكامل
معه، وليس تجاهله أو إلغاءه أو
تذويبه، ويشهد تعدد الجماعات
الدينية والإثنية في العالم
الإسلامي ومحافظة هذه الجماعات
على خصائصها العنصرية وعلى
تراثها العقدي والديني وعلى
لغاتها وثقافتها الخاصة على هذه
الحقيقة وأصالتها. إن اعتراف
الإسلام بالآخر ومحاورته بالتي
هي أحسن وقبوله كما هو لا يعود
بالضرورة إلى تسامح المسلمين،
إنما يعود في الأساس إلى قبول
سماحة الإسلام، وإلى جوهر
الشريعة التي تدعو الناس
المختلفين إلى التعارف.
ذلك أن هدف الحوار ليس
إقناع الآخر بأن يكف عن أن يكون
نفسه، إن الهدف على العكس من ذلك
هو محاولة اكتشاف الآخر في عمقه
لتمكينه من أن يسهم بفكره
وبتجربته الخاصة وبإيمانه في
بلورة الحقيقة وتكاملها، ومن ثم
للعمل معه، وكأن العمل له
تحقيقًا لحب هو في ذاته أسمى
تجليات العلاقة مع الآخر.
لقد تميزت الحضارة
الإسلامية بقدرتها على التكيف
والتعلم من الحضارات الأخرى،
والتكامل معها، ولم تمارس في أي
مرحلة من مراحلها دورا إلغائيًا
للآخر المختلف، بل إن الاختلاف
أسهم من خلال الاعتراف به على
قاعدة التعارف في قيام الحضارة
التي أشعت على العالم والتي
وضعت الأسس لقيام عصر النهضة في
أوروبا.
يقول المستشرق
الإنجليزي مونتغمري وات في
كتابه "الفكر السياسي
الإسلامي":
"يشكل الفكر الديني
الإطار العام الذي يرى الإنسان
من خلاله كل أعماله ونشاطاته،
ومن خلال هذه العلاقة تكتسب
أعماله أهميتها على النطاق
الأوسع".[16]
إن تغييب المبادئ
الأساسية للعلاقة مع الآخر
المختلف التي يقول بها الإسلام
أدت إلى قيام فكر ديني خاطئ
ومضلل، وأدت بالتالي إلى رسم
إطار عام خاطئ ومضلل يرى
الإنسان المسلم من خلاله كل
أعماله ونشاطاته؛ الأمر الذي
يتطلب التصدي لهذا الفكر، ومن
ثم إعادة رسم الإطار على
القواعد والأسس الإسلامية
الصحيحة.
ليس كل فكر إنساني
مبدعا (سواء كان فكرًا دينيًا أو
مدنيًا) عندما يقصر الفكر عن فهم
روح التشريع يعمد في عصبيته
لذاته إلى أحد الأمور التالية:
الأمر الأول: الاحتماء
بقدسية النص ليعطي فهمه القاصر
حصانة مقدسة لا يستحقها، وهو
بذلك يهبط بالنص إلى مستوى فهمه
له.
الأمر الثاني: اللجوء
إلى المفاهيم وإلى التفاسير
القديمة التي كانت ثمرة
اجتهادات زمن غير زماننا وظروف
غير ظروفنا، وإعادة طرحها
وكأنها كالنص، مقدسة لذاتها؛
لمجرد أنها وضعت أو اعتُمدت في
مرحلة سابقة من التاريخ
الإسلامي.
الأمر الثالث: القفز من
فوق تجارب الأمة بما تزخر به من
غنى فكري ومن ثروة اجتهادية
استولدتها من مواجهة المتغيرات
الاجتماعية والسياسية،
ومواءمتها مع النص المقدس
الثابت (يمكن مراجعة كتاب "تحرير
الأحكام في تدبير أهل الإسلام"
لابن جماعة، وكتاب "الأحكام
السلطانية" للماوردي).
إذا دخلنا من بوابة هذه
القواعد الكلية إلى الأسس التي
تحدد علاقات الإسلام مع الآخر
تتضح الهوة الكبيرة بين السماحة
التي يقوم عليها الإسلام
والتطرف الذي تعاني منه بعض
الفئات الإسلامية، والذي يصل
إلى حد الدعوة إلى إلغاء الآخر
المختلف حتى من داخل الجماعة
الإسلامية نفسها.
نهى رسول الله -صلى
الله عليه وسلم- عن الغلو في
الدين بقوله: "إياكم والغلو
في الدين؛ فإنما هلك من كان
قبلكم بالغلو في الدين"،
وحذرنا عليه السلام -كما روى عنه
ابن مسعود- بقوله: "هلك
المتنطعون (أي المجاوزين)"
قالها ثلاثًا.
ولكن التطرف الديني لا
يكون بالغلو والتنطع فقط، إن
أسوأ أنواع التطرف الديني ربما
يكون في الجمود الفقهي، وفي
التحجر الفكري، وفي التهرب من
مواجهة استحقاقات الوقائع
والمستجدات في أمور الحياة
واستشرافاتها.
إن وحدة الجنس أو اللون
أو اللغة أو العقيدة ليست ضرورة
حتمية لا يتحقق التفاهم بدونها؛
لذلك لا بد من أجل إقامة علاقة
مبنية على المحبة والاحترام من
الحوار على قاعدة هذه
الاختلافات التي خلقها الله،
وأرادها أن تكون، والتي يتكشف
للعلم أنها موجودة حتى في
الجينات الوراثية التي تشكل
بعناصرها شخصية كل منا
وتمايزاتها.
من هنا فإن التنكر
للآخر المختلف وإنكار حقه في أن
يكوّن ذاته ثقافية وفكرًيا
وعقيدة لا يمت إلى الإسلام
بصلة، بل إنه خروج عن الإسلام
عقيدة وفكرًا ومنهج حياة.
إذا كانت العلاقات
الإنسانية تقوم على إحدى قاعدتي
التعارف أو الترافض؛ فإن
الإسلام دعا إلى التعارف، وبنى
على هذه القاعدة استمرار
الإنسانية وعمارة الكون.
[1]سورة الحجرات -
الآية 13.
[2] سورة الروم ـ
الآية 22.
[3] سورة يونس ـ الآية
19.
[4] سورة البقرة ـ
الآية 148.
[5] سورة البقرة ـ
الآية 145.
[6] سورة المائدة ـ
الآية 48.
[7] سورة آل عمران ـ
الآية55.
[8] سورة هود ـ الآية
118.
[10] سورة البقرة ـ
الآية 251.
[11] سورة البقرة ـ
الآية 256.
[12] سورة الزمر -
الآية 41
[13] انظر فضل الله (محمد
حسين، الحوار.. أبعاد
وإيحاءات ودلالات ـ مجلة
المنطق ـ 16، عدد 105 ـ ربيع
الأول 1414هـ.
[14] راجع د. عمر
مسقاوي في مقالة له في جريدة
النهار تاريخ 19/5/2001؛ حيث يقول
في مفهوم الذمية: "والذمة
هنا ليست ذمة حماية فوقية كما
هو أسلوب الحضارة الغربية
المعاصرة، بل هي وعاء الذاكرة
الإبراهيمية، وتعبير "لهم
ما لنا وعليهم ما علينا" هو
تكملة مفهوم أهل الذمة، وهذا
يعني أن السلطة حين تأخذ
بعدها التنظيمي في المفهوم
الإسلامي وتنتقل إلى صيغة
جديدة في مفهومنا الحديث يصبح
وعاء الذمة هو الوعاء الوطني،
والوعاء الوطني هو الذمة
المتبادلة بين الذين هم في
إطارها".
[15] سورة هود ـ الآية
118.
[16] Montgomery Wsatt, Islamic
Political thought, Edinbugh Uni, Press, 1968,P.28.
[17] M. Watt, Islamic political
thought, Edinbugh Uni. Press, 1968, P. 28.
|